ابن عطية الأندلسي
423
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يعني بإبراهيم الخليل عليه السلام ، والآل في اللغة ، الأهل والقرابة ، ويقال للأتباع وأهل الطاعة آل ، فمنه آل فرعون ، ومنه قول الشاعر وهو أراكة الثقفي في رثاء النبي عليه السلام وهو يعزي نفسه في أخيه عمرو : [ الطويل ] فلا تبك ميتا بعد ميت أجنّه * عليّ وعبّاس وآل أبي بكر أراد جميع المؤمنين ، و « الآل » في هذه الآية يحتمل الوجهين ، فإذا قلنا أراد بالآل القرابة والبيتية فالتقدير إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى هؤلاء على عالمي زمانهم أو على العالمين عاما بأن يقدر محمدا عليه السلام من آل إبراهيم ، وإن قلنا أراد بالآل الأتباع فيستقيم دخول أمة محمد في الآل لأنها على ملة إبراهيم ، وذهب منذر بن سعيد وغيره إلى أن ذكر آدم يتضمن الإشارة إلى المؤمنين به من بنيه وكذلك ذكر نوح عليه السلام وأن « الآل » الأتباع فعمت الآية جميع مؤمني العالم فكان المعنى ، أن اللّه اصطفى المؤمنين على الكافرين ، وخص هؤلاء بالذكر تشريفا لهم ولأن الكلام في قصة بعضهم ، و آلَ عِمْرانَ أيضا يحتمل من التأويل ما تقدم في آلَ إِبْراهِيمَ ، وعمران هو رجل من بني إسرائيل من ولد سليمان بن داود فيما حكى الطبري ، قال مكي : هو عمران بن ماثان ، وقال قتادة في تفسير هذه الآية : ذكر اللّه تعالى أهل بيتين صالحين ورجلين صالحين ، ففضلهم على العالمين فكان محمد من آل إبراهيم ، وقال ابن عباس : « اصطفى اللّه » هذه الجملة بالدين والنبوة والطاعة له . وقوله تعالى : ذُرِّيَّةً نصب على البدل ، وقيل على الحال لأن معنى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ متشابهين في الدين والحال ، وهذا أظهر من البدل ، والذرية في عرف الاستعمال تقع لما تناسل من الأولاد سفلا ، واشتقاق اللفظة في اللغة يعطي أن تقع على جميع الناس أي كل أحد ذرية لغيره فالناس كلهم ذرية بعضهم لبعض ، وهكذا استعملت الذرية في قوله تعالى : أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [ يس : 41 ] أي ذرية هذا الجنس ولا يسوغ أن يقول في والد هذا ذرية لولده وإذ اللفظة من ذر إذا بث فهكذا يجيء معناها ، وكذلك إن جعلناها من « ذرى » وكذلك إن جعلت من ذرأ أو من الذر الذي هو صغار النمل ، قال أبو الفتح : الذرية يحتمل أن تكون مشتقة من هذه الحروف الأربعة ، ثم طول أبو الفتح القول في وزنها على كل اشتقاق من هذه الأربعة الأحرف تطويلا لا يقتضي هذا الإيجاز ذكره وذكرها أبو علي في الأعراف في ترجمة مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الأعراف : 172 ] قال الزجّاج : أصلها فعلية من الذر ، لأن اللّه أخرج الخلق من صلب آدم كالذر ، قال أبو الفتح : هذه نسبة إلى الذر غير أولها كما قالوا في النسبة إلى الحرم : حرمي بكسر الحاء وغير ذلك من تغيير النسب قال الزجّاج : وقيل أصل ذُرِّيَّةً * ذرورة ، وزنها فعلولة فلما كثرت الراءات أبدلوا من الأخيرة ياء فصارت ذروية ثم أدغمت الواو في الياء فجاءت ذُرِّيَّةً . قال القاضي فهذا اشتقاق من ذر يذر ، أو من ذرى ، وإذا كانت من ذرأ فوزنها فعلية كمريقة أصلها ذرئية فألزمت البدل والتخفيف كما فعلوا في البرية في قول من رآها من برأ اللّه الخلق ، وفي كوكب دري ، في قول من رآه من - درأ - لأنه يدفع الظلمة بضوئه . وقرأ جمهور الناس « ذرية » بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت والضحاك ، « ذرية » بكسر الذال ، وقوله